مقدمة

إن أداء الصلاة وتلاوة الدعاء والتأمّل والتفكر في الكلمة الالهية المُنْزَلة هي من الأحكام الإلهية التي يحثّنا حضرة بهاءالله - مؤسّس الدين البهائي - علی تطبيقها يومياً. فتلاوة الكلمات الإلهيّة يومياً لها أهمية بالغة لدرجة أنّها عُلّقت بالوفاء بعهد الله وميثاقه. يتفضل حضرة بهاءالله:

اتلوا ايات الله في كلّ صباح ومسآء انّ الّذي لم يتل لم يوف بعهد الله وميثاقه والّذي اعرض عنها اليوم انّه ممّن اعرض عن الله في ازل الازال اتّقنّ الله يا عبادي كلّكم اجمعون. (۱)

وللکلمة الإلهيَّة نفوذ عظيم في قلب المرء وعلی مسير حياته وحياة من يدعو لهم إذ إنّها تسمو بروح الإنسان وترقّيها ولها تأثير کبير علی العائلة والمجتمع حتى لو لم نلاحظ هذا التغيير على الفور:

أَنْ اقرأْ يا عبدُ ما وَصَلَ إليك من آثارِ اللهِ برَبَواتِ المُقَرَّبينَ لتستجذِبَ بها نفسُك وتستجذِبَ من نغماتِك أفئدةُ الخلائقِ أجمعين ومن يقرأُ آياتِ اللهِ في بيتِهِ وحدَهُ لَيَنْشُرَ نفحاتِها الملائكةُ النّاشراتُ إلى كلِّ الجهاتِ وينقلبَ بها كلُّ نفسٍ سليمٍ ولو لن يستشعرَ في نفسِهِ ولكن يظهرُ عليهِ هذا الفضلُ في يومٍ من الأيّامِ كذلك قَدّرَ خفيّاتِ الأمرِ من لدن مُقَدِّرٍ حكيم (۲)

ويضمّ موقعنا هذا مواضيع تتعلّق بالدعاء والتأمّل المعبّر عنهما بـ "المناجاة." فالدّعاء والتأمُّل هما في الحقيقة المجرّدة عناية إلهيّة كرّم الله بهما عباده المؤمنين في كلّ دين وحثّهم علی ذلك استدراراً لبركاته ورحمته. وبذلك منحنا فضله بالتكلّم اليه وبثّ همومنا وطلب عونه والتماس هدايته عندما نشعر بالضّيق والضّعف أمام ملمّات الحياة. ومخاطبةُ الحقّ تستدعي حالة خاصة ولغة خاصة. إنّها حالة من انجذاب الرّوح والانقطاع عن شؤون الدنيا. وعندما تكون قلوبُنا صافية وخالية من المشتهيات الماديّة يكون دعاؤنا اكثر تأثيراً ونشعر براحة النفس وطمأنينة البال وهي ما يُعبّر عنها بالسعادة الرّوحيّة - وهي أرقى درجات السّعادة. وكما يخبرنا حضرة عبدالبهاء فإنّ:

علينا ان نتكلّم بلغة السّماء - لغة الرّوح - لأنّ للرّوح والقلب لغة تختلف عن لغتنا كما تختلف لغاتـنا عن لغة الحيوان التي تعبّر عن نفسها بأصواتها وبصياحها. إنّ لغة الرّوح هي التي تتكلّم مع الله. وعندما نناجي الله نكون احراراً من جميع الشؤون الدنيويّة، وحينذاك نكون وكأنّنا نسمع في قلوبنا صوت الله. فنتكلّم من غير كلمات ونناجي الله ونخاطبه ونسمع الجواب ... وحينما نصل الی هذه الحالة الرّوحانيّة الحقيقية نستطيع أن نسمع صوت الله. (۳)

والوصول الی هذه الحالة يتطلّب من الإنسان جهداً يبذله بكلّ إخلاص وتفانٍ، وذلك بالتأمّل في عظمة الخالق وقدرته وفضله ورحمته. ويضيف حضرة عبدالبهاء بهذا الخصوص:

علينا أن نفتح بصيرتنا الداخليّة و ادراكنا الرّوحاني لنری علاماتِ روح الله و آثارَه في كلّ مكان و ليعكسَ كلُّ شيء نورَ الرّوح علينا. وعندما يسمح الإنسان للرّوح عن طريق العقل أن تـنيرَ ادراكه، فإنّه حينذاك يحيط بجميع المخلوقات. ولكنّه حينما لا يفتح عقله وقلبه لبركات الرّوح بل يوجّه نفسَه نحو النّاحية الماديّة ونحو الجزء الجسديّ من طبيعته، حينذاك يسقط من مقامه ... . (٤)

وفي هذا المقام يخبرنا حضرة بهاءالله بقوله:

والّذين يتلون ايات الرّحمن باحسن الالحان اولئك يدركون منها ما لا يعادله ملكوت ملك السّموات والارضين. وبها يجدون عرف عوالمي التّي لا يعرفها اليوم الاّ من أوتي البصر من هذا المنظر الكريم. قل انّها تجذب القلوب الصّافية إلى العوالم الرّوحانيّة الّتي لا تعبّر بالعبارة ولا تشار بالاشارة طوبى للسّامعين. (٥)

وقد نتساءل: ما هي حكمة التضرّع والابتهال وبيانُ الإنسان حاجتَه والتماسُه العون ما دام الله قد قَدّرَ كلَّ شيء ويعلم كلَّ شيء؟ والله سبحانه وتعالی ليس بحاجة الی أدعيتنا، إلاّ أنّ ارتقاء أرواحنا يعتمد علی الصلاة والدّعاء لأنهما غذآء الرّوح. فكما أن أجسادنا بحاجة إلی غذآئها المادي كذلك أرواحنا فهي بحاجة دائمة إلی الغذاء الروحيّ - وهو هنا الكلمة الإلهيّة- لكي لا تمسي ضعيفة سقيمة محرومة من التقدّم والسموّ. لقد أخبرنا حضرة عبدالبهاء بهذا الخصوص بقوله:

اعلم أنّ الضعيف يقتضي له أن يتضرّع الی الله القوي، وأنّ طالب الموهبة يليق به أن يبتهل الی الله الوهّاب العظيم. وحينما يتضرّع الإنسان إلی ربّه فإنّه يتوجّه إليه ويلتمس الفضل من بحر رحمته. وهذا التضرّع بذاته يجلب النور الی قلبه فتتـنوّر بصيرته وتنتعش روحه ويسمو وجوده. وخلال ابتهالك وتلاوتك: "يا إلهي اسمك شفائي" تَصَوَّرْ أنت مَبْلَغَ ابتهاجِ قلبك وانشراح نفسك بروح محبّة الله، وانجذاب عقلك الی ملكوت الله! وبهذا الانجذاب تزداد قابليّة الإنسان ويزداد استعداده، وكلّما اتّسع الاناء زاد الماء، وكلّما زاد العطش زادت موهبة السحاب عذوبة في مذاق الإنسان. هذا هو سرّ الابتهال وحكمة توسّلات الإنسان من أجل نيل أمانيه. (٦)
إنّ ارقی نوع من المناجاة هو الذي يقصد منه محبّة الله، لا خوفاً منه تعالی او من ناره ولا أملاً بفضله أو بفردوسه ... واذا هامَ إنسان بحبّ حبيب فمن المستحيل أن لا يلهج بذكر اسمه. فكيف بمن يشعر بمحبّة الله؟ ألا يصعب عليه السكوت عن ذكر اسمه؟ والرجل الروحاني لا يجد لذة في شيء إلاّ في ذكر الله. (۷)

إنّنا بدعائنا وانقطاعنا وتأمّلنا وتركيزنا ندعو، مع قوّتـنا المحدودة، قوّة غيبيّة إلهيّة غير محدودة لتعيننا وتساعدنا وتخفّف عنّا وطأة الحياة الماديّة كمن يحرّك بأنامِلِهِ الصغيرة قوّة عظمی تحلّق بالطائرة الضخمة الی الأعالي مخترقةً قانون الطبيعة، أو قوّة كافية لتحريك اكبر البواخر عبر البحار. فإذا ما واظب الإنسان علی تلاوة الأدعية والتأمّل في الكلمات الإلهيّة وخصّص لهما جزءاً هامّاً من حياته اليوميّة، امكنه حينذاك فهم أهمّيتهما وتقدير قوّة فعلهما.

ونقدّم على هذا الموقع بعض الأدعية والكلمات الإلهيّة المُنْزَلة علی حضرة بهاءالله ومبشّره حضرة الباب وكذلك ندرج بعض الأدعية ممّا صدر من قلم حضرة عبدالبهاء، ابن حضرة بهاءالله الأرشد ومبيّن تعاليمه. وتتـناول هذه الأدعية مختلف النواحي والأهداف. فمنها ما هو من أجل الشّفاء أو طلب التأييد والتّوفيق أو الاستقامة والتّـنزّه عن الدنيا وملاهيها ومنها ما هو من أجل السّلام العالمي أو الاتّحاد والاتّفاق أو قضاء الحاجات أو طلب المغفرة والغفران للأموات وما الی ذلك من مختلف نواحي الحياة. ويشمل الموقع ايضاً الصلاة البهائيّة والعديد من المواضيع الأخرى. ونرجو أن توفّر صفحات هذا الموقع ما يشرح صدوركم ويفرّح قلوبكم ويقرّبكم الى الله عزّ وجلّ.

ملاحظة: استعمل "منتخبات من کتاب بهاء الله والعصر الجديد"، الطبعة الاولی، مترجمة عن الطبعة الانجليزية الثالثة الصادرة عن مؤسسة النشر البهائية في ويلمت، الينوي سنة ۱۹۷۰.